أحمد بن محمد ابن عبد ربه الأندلسي

169

العقد الفريد

مخلى بمفظعات من الأمور ، وتحت مسألة منكر ونكير ، مع ظلمة وضيق ووحشة قبر ، فذاك مثواه حتى يبلى جسده ويصير ترابا ؛ حتى إذا بلغ الأمر إلى مقداره ، وألحق آخر الخلق بأوله ، وجاءه أمر من خالقه ، أراد به تجديد خلقه - أمر بصوت من سماواته فمارت السماوات مورا « 1 » ، وفزع من فيها ، وبقي ملائكتها على أرجائها ، ثم وصل الأمر إلى الأرض ، والخلق رفات لا يشعرون فأرج أرضهم وأرجفها وزلزلها ، وقلع جبالها ونسفها وسيّرها ، ودكّ بعضها بعضا من هيبته وجلاله ، وأخرج من فيها فجدّدهم بعد بلائهم ، وجمعهم بعد تفرّقهم ، يريد أن يحصيهم ويميزهم ، فريقا في ثوابه ، وفريقا في عقابه ، فخلد الأمر لأبده ، دائما خيره وشره ، ثم لم ينس الطاعة من المطيعين ، ولا المعصية من العاصين ، فأراد عز وجل أن يجازي هؤلاء ، وينتقم من هؤلاء ، فأثاب أهل الطاعة بجواره ، وحلول داره ، وعيش رغد ، وخلود أبد ، ومجاورة للرب ، وموافقة محمد صلّى اللّه عليه وسلم ، حيث لا ظعن ولا تغيّر ؛ وحيث لا تصيبهم الأحزان ، ولا تعترضهم الأخطار ؛ ولا تشخصهم « 2 » الأسفار ؛ وأما أهل المعصية فخلدهم في النار ، وأوثق منهم الأقدام وغلّ منهم الأيدي إلى الأعناق ؛ في لهب قد اشتد حره ، ونار مطبقة على أهلها لا يدخل عليها بها روح ، همّهم شديد ، وعذابهم يزيد ، ولا مدة للدار تنقضي ، ولا أجل للقوم ينتهي . اللهم إني أسألك بأن لك الفضل والرحمة بيدك ، فأنت وليهما لا يليهما أحد غيرك ، وأسألك باسمك لمخزون المكنون ، الذي قام به عرشك وكرسيّك وسماواتك وأرضك ، وبه ابتدعت خلقك - الصلاة على محمد ، والنجاة من النار برحمتك ، آمين ؛ إنك وليّ كريم . وخطب أيضا فقال : أيها الناس احفظوا عني خمسا فلو شددتم إليها المطايا حتى تنضوها لم تظفروا بمثلها : ألا لا يرجونّ أحدكم إلا ربّه ، ولا يخافنّ إلا ذنبه ولا يستحي أحدكم إذا لم يعلم أن يتعلم ، وإذا سئل عما لا يعلم أن يقول لا أعلم ، ألا وإن

--> ( 1 ) المور : الاضطراب . ( 2 ) يقال شخص من بلده : أي خرج . وشخص اليه : رجع .